قل اللهم مالك الملك

قل اللهم مالك الملك


الشيخ / محمد القاضي


بسم الله و الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم , اما بعد
فإن التغيير امر بيد الله تعالى وحده , هو الذى يعطى و يمنع و يخفض و يرفع و يعز و يذل  يقلب الليل و النهار قال تعالى { قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ}(27)
وهذه الآيات العظيمة التى توضح بعض معانى الربوبية من التصرف المطلق فى الخلق , فالذى يقلب الليل و النهار هو الذى يقلب الأيام و يداولها بين الناس و هو الذى يحى بالإيمان قلوبا و يميت بالكفر و النفاق اخر فهو وحده الذى يدبر امر العباد ومن اعظم ما يدبر امر الملك و ما يتعلق به من امور  فله فى تصاريفه آيات و عبر  و لذا قال الإمام ابن كثير فى تفسيره ما ملخصه ( يقول تعالى: { قُلْ } يا محمد، معظما لربك ومتوكلا عليه، وشاكرًا له ومفوضًا إليه: { اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ } أي: لك الملك كله { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنزعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ } أي: أنت المعطي، وأنت المانع، وأنت الذي ما شئت كان وما لم تشأ لم يكن.
أي: أنت المتصرف في خلقك، الفعال لما تريد، كما رد تبارك وتعالى على من يتحكم عليه في أمره، حيث قال: { وَقَالُوا لَوْلا نزلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] .
قال الله تعالى ردًا عليهم: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ] (3) } الآية[ الزخرف : 32 ] أي: نحن نتصرف في خلقنا كما نريد، بلا ممانع ولا مدافع، ولنا الحكمة والحجة في ذلك، وهكذا نعطي النبوة لمن نريد، كما قال تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } [ الأنعام : 124 ] وقال تعالى: { انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ [ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا] (4) } [ الإسراء : 21 ] وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة "إسحاق بن أحمد" من تاريخه عن المأمون الخليفة: أنه رأى في قَصْرٍ ببلاد الروم مكتوبا بالحميرية، فعرب له، فإذا هو: باسم الله ما اختلف الليل والنهار، ولا دارت نجوم السماء في الفلك إلا بنقل النعيم عن مَلِك قد زال سلطانه إلى ملك. ومُلْكُ ذي العرش دائم أبدًا ليس بِفَانٍ ولا بمشترك) .
وقال فى فتح القدير (قال الزجاج : والمعنى مالك العباد ، وما ملكوا . وقيل : المعنى مالك الدنيا ، والآخرة ، وقيل : الملك هنا : النبوة ، وقيل : الغلبة ، وقيل : المال والعبيد ، والظاهر : شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص { تُؤْتِى الملك مَن تَشَاء } أي : من تشاء إيتاءه إياه { وَتَنزِعُ الملك مِمَّن تَشَاء } نزعه منه . والمراد بما يؤتيه من الملك ، وينزعه هو نوع من أنواع ذلك الملك العام .
قوله : { وَتُعِزُّ مَن تَشَاء } أي : في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما ، يقال عزّ : إذا غلب ، ومنه : { وَعَزَّنِى فِى الخطاب } [ ص : 23 ] . وقوله : { وَتُذِلُّ مَن تَشَاء } أي : في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما ، يقال ذلّ يذلّ ذلاً : إذا غلب وقهر .)

وقال الله تعالى في بعض الكتب: "أنا الله ملك الملوك، ومالك الملوك وقلوب الملوك ونواصيهم بيدي فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة وإن عصوني جعلتهم عليهم عقوبة فلا تشتغلوا بسب الملوك ولكن توبوا إليَّ أعطفهم عليكم
قال السعدى رحمه الله : (يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم { قل اللهم مالك الملك } أي: أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها، فقال: { تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء } وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سببا لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع، قال الله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم } الآية فأخبر أن الإيمان والعمل الصالح سبب للاستخلاف المذكور، وقال تعالى: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم } الآية وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين } فأخبر أن ائتلاف قلوب المؤمنين وثباتهم وعدم تنازعهم سبب للنصر على الأعداء، وأنت إذا استقرأت الدول الإسلامية وجدت السبب الأعظم في زوال ملكها ترك الدين والتفرق الذي أطمع فيهم الأعداء وجعل بأسهم بينهم، ثم قال تعالى: { وتعز من تشاء } بطاعتك { وتذل من تشاء } بمعصيتك { إنك على كل شيء قدير } لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك
{ تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل } أي: تدخل هذا على هذا، وهذا على هذا، فينشأ عن ذلك من الفصول والضياء والنور والشمس والظل والسكون والانتشار، ما هو من أكبر الأدلة على قدرة الله وعظمته وحكمته ورحمته { وتخرج الحي من الميت } كالفرخ من البيضة، وكالشجر من النوى، وكالزرع من بذره، وكالمؤمن من الكافر { وتخرج الميت من الحي } كالبيضة من الطائر وكالنوى من الشجر، وكالحب من الزرع، وكالكافر من المؤمن، وهذا أعظم دليل على قدرة الله، وأن جميع الأشياء مسخرة مدبرة لا تملك من التدبير شيئا، فخلقه تعالى الأضداد، والضد من ضده بيان أنها مقهورة { وترزق من تشاء بغير حساب } أي: ترزق من تشاء رزقا واسعا من حيث لا يحتسب ولا يكتسب)
فالأمور تتغير فى لحظات , فالذى يقلب الليل و النهار هو الذى يقلب قلوب العباد بين رغبة و رهبة و بين خوف و رجاء و بين اجتماع و اختلاف فيالله العجب ؟؟ من هذه التصاريف التى يقف معها الواحد متأملا فى عظمة الله و قدرته فبالأمس القريب كان الناس يهمس بعضهم الى بعض القول خوفا من بطش هذا الطاغية , ثم فى لحظة تغيرت القلوب  و كأن الشعب كله ابتلع حبات الشجاعة ووقف الشعب كله على قلب رجل واحد فمن الذى جمع قلوبهم و ازال منها الخوف من الموت و جعلهم يواجهونه بهذه الطريقه  وهذا يدلك دلالة واضحة على خلق الله لأفعال العباد فالقلوب بين اصبعين من اصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء , اذا شاء اقامها و اذا شاء ازاغها فسبحان الله و هذا الطاغية الذى القى الله الخوف فى قلبه فبدا خائفا مرتعدا يستجدى الشعب و يطلب منهم ان يتوقفوا عن المظاهرات  فى موقف عجيب و غريب وهو بالأمس  القريب كان يتكلم بكل كبر و غرور رافضا اى مطلب من مطالب شعبه , فسبحان من بيده الملك اخرجه من بلده ذليلا صاغرا خائفا لا يدرى الى اين يذهب حتى اوليائه من الكفرة و المنافقين ابوا ان يستقبلوه , فى صورة من الخزى و الذل و المهانة فقد نزع الله منه الملك انتزاعا كما ينتزع السفود من الصوف المبلول , و هو الذى ما ترك طريقا للصد عن سبيل الله الا ولجه و ما ترك سبيلا لمنع الناس من الإلتزام بالشرع الا سلكه فكان الجزاء من جنس العمل , ولذا قال البغوى فى تفسيره لهذه الآيه  (   وَتُعِزّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلّ مَنْ تَشَاء ) قال عطاء تعز من تشاء: المهاجرين والأنصار وتذل من تشاء: فارس والروم، وقيل تعز من تشاء محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة في عشرة آلاف ظاهرين عليها، وتذل من تشاء: أبا جهل وأصحابه حتى حُزَّت رؤوسهم وألقوا في القليب، وقيل تعز من تشاء بالإيمان والهداية، وتذل من تشاء بالكفر والضلالة، وقيل تعز من تشاء بالطاعة وتذل من تشاء بالمعصية، وقيل تعز من تشاء بالنصر وتذل من تشاء بالقهر، وقيل تعز من تشاء بالغنى وتذل من تشاء بالفقر، وقيل تعز من تشاء بالقناعة والرضى وتذل من تشاء بالحرص والطمع .
هذا الذى رأيناه فى تونس آيه من آيات الله لا ينبغى للمؤمن ان تمر عليه دون ان يتفكر فيما حدث و لا يستغرقه النظر فى الأسباب الى عدم الإلتفات الى مسبب الأسباب و خالقها و موجدها  , فهو سبحانه اذا اراد شيئا انما يقول له كن فيكون وهو جل فى علاه انما يخلق الأمور بأسباب فيقدر وجود ما يؤدى الى ما قضى و قدر فى الأزل و الله عليم حكيم لا يقدر شيئا الا بحكمه , فكل طاغية قدر الله له نهاية و لكن كيف تكون ومتى تكون هذه النهاية هذا ما لايعلمه الا الله و الله بكل شىء عليم فالحمد الله رب العالمين و صلاة على المرسلين و لاحول و لاقوة الا بالله العلى العظيم .  

بأى ذنب قتلت

بأي ذنبٍ قتلت

الشيخ / محمد القاضي



بسم الله و الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم , اما بعد 

فإن الحادث الأليم الذى حصل من قتل الأخ سيد بلال من قبل جهاز امن الدولة بدون جريرة و بدون وجه حق , سلسلة من جرائم هذا النظام الذى لايعرف حرمة للدماء و لا للأعراض , ويحكم البلاد و العباد بطريقة قمعية طيلة عقود من الزمان لا يعرف الا لغة السجن و التعذيب و القتل كلغة للتعامل مع افراد الشعب و كأنهم حيوانات بل و الله انه بلغ من الظلم ما يفوق تعامله مع الحيوانات , فبأى حق يقتل شاب لمجرد انه يشتبه فى انه مفجر للكنيسة بلا بينة و لابرهان .فهل المطلوب ان يعترف بجريمة لم يرتكبها ؟؟؟؟؟؟ام ان الخيبة التى تلاحق النظام فى تحديد هوية الفاعل هى الدافعة لقتل الأبرياء ؟؟؟؟؟؟ام ان الشكوك و الشبهات  التى تحوم حول بعض النصارى المتصلين بأقباط المهجر هى السبب فى محاولة النظام الصاق التهمة بالأبرياء , حتى لا تظهر الحقيقة بأن واحدا منهم هو من نفذ هذا الهجوم على الكنيسة لتحقيق مكاسب سياسية كبيرة من وراء ذلك , خصوصا اذا علمنا ان المتهم الوحيد حتى الآن الذى يخضع للتحقيق امام جهات سيادية يأتى ومعه المحامى الخاص به و لا يمس احد شعرة من رأسه فيعامل معاملة البشر وهو متهم فى القضية و هذا الشاب المسلم مشتبه فيه و ليس متهما بشىء , الم يكن حريا بهولاء القتله ان يعاملوا المسلم كمعاملة الكافر سواء بسواء , ام ان المسلمين فى هذه البلد و فى غيرها من بلاد المسلمين و خصوصا الملتزمين بالكتاب و السنة كلأ مستباح لكل ظالم لا يؤمن بيوم الحساب؟؟؟ الا يظن اولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ؟؟؟سيقف اخونا السيد يوم يقوم الناس لرب العالمين يمسك بتلابيب القاتل يقول يارب انظر هذا فيما قتلنى و استحل عرضى و دمى ؟؟؟؟؟؟يا من تستطيل على الناس بقوتك اعلم ان لك رب قادر على ان يوقف العروق فى دمك , و يسلط عليك من جنوده ما يجعلك تتمنى الموت فى كل لحظة و يكون الموت راحة لك من العذاب ؟؟؟؟؟؟وهيهات هيهات ان يكون الموت راحة لأمثالك من العذاب بل هو بداية لعذاب لا يعلم حقيقته الا الله قال تعالى ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)) قال ابن كثير فى تفسيره ما ملخصه :

(وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } أي: متجبر في نفسه معاند للحق، كما قال تعالى: { أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ } [ق: 24 -26].
وفي الحديث: "إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة، فتنادي الخلائق فتقول: إني وُكلت بكل جبار عنيد" الحديث (2) .
خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر.
وقوله: { مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } و"وراء" ها هنا بمعنى "أمام"، كما قال تعالى: { وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا } [الكهف: 79]، وكان ابن عباس يقرؤها "وكان أمامهم ملك".
أي من وراء الجبار العنيد جهنم، أي: هي له بالمرصاد، يسكنها مخلدا يوم المعاد، ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد

(وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ } أي: في النار ليس له شراب إلا من حميم أو غساق، فهذا في غاية الحرارة، وهذا في غاية البرد والنتن، كما قال: { هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ } [ص: 57، 58].
وقال مجاهد، وعكرمة: الصديد: من القيح والدم.
وقال قتادة: هو ما يسيل من لحمه وجلده. وفي رواية عنه: الصديد: ما يخرج من جوف الكافر، قد خالط القيح والدم.
ومن حديث شَهْر بن حَوْشَب، عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: قلت: يا رسول الله، ما طينة الخبال؟ قال: "صديد أهل النار"  وفي رواية: "عُصَارة أهل النار"  .
و عن أبي أمامة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: { وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ } قال: "يُقَرَّبُ إليه فيتكرهه، فإذا أدنى منه شَوى وجهه، ووقعت فروة رأسه، فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره. يقول الله تعالى  { وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ } [محمد: 15]، ويقول: { وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ }  [الكهف: 29].
وقوله: { يتجرعه } أي: يتغصصه ويتكرهه، أي: يشربه قهرا وقسرا، لا يضعه في فيه  حتى يضربه الملك بمطراق من حديد، كما قال تعالى: { وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ } [الحج: 21].
{ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي: يزدرده لسوء لونه وطعمه وريحه، وحرارته أو برده الذي لا يستطاع.
{ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ } أي: يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه.
قال ميمون بن مِهْرَان: من كل عظم، وعرق، وعصب.
وقال عكرمة: حتى من أطراف شعره.

وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌٌ (43يقول [تعالى شأنه]  { وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ } يا محمد { غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ } أي: لا تحسبه إذ أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم، لا يعاقبهم على صنعهم  بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عدا، أي: { إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصَارُ } أي: من شدة الأهوال يوم القيامة.
ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم ومجيئهم إلى قيام المحشر فقال: { مُهْطِعِينَ } أي: مسرعين، كما قال تعالى: { مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ]  [القمر: 8]، وقال تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا } إلى قوله: { وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } [طه: 198 -111]، وقال تعالى: { يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ } [المعارج: 43].

ولربك فاصبر

و لربك فاصبر




بسم الله و الحمد الله و الصلاة و السلام على رسول الله صلى الله عليه و سلم اما بعد فإن الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أهم المهمات، ومن أعظم الواجبات على الدعاة إلى الله، والصبر وإن كان واجباً بأنواعه على كل مسلم، فإنه على الدعاة إلى الله من باب أولى وأولى؛
ولهذا أمر الله به إمام الدعاة وقدوتهم رسول الله عليه الصلاة والسلام:
( ولربك فاصبر ) ,  ] وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِالله وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ * إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ)، وقال تعالى: ] فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّـهُمْ [)، وقال تعالى: ]وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ الله وَلَقدْ جَاءَكَ مِن نَّبَإِ الْـمُرْسَلِينَ [، فهذا سيد ولد آدم صلى الله عليه و سلم  قد أمره الله بالصبر، وأتباعه من باب أولى.

والله تعالى  قد أوضح للناس أنه لابد من الابتلاء، والاختبار، والامتحان لعباده، وخاصة الدعاة إلى الله تعالى؛ ليظهر الصادق من الكاذب، والمؤمن من المنافق، والصابر من غيره، وهذه سنة الله في خلقه، قال سبحانه: ]الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [، وقال تعالى :  ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْـمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [.

وقال عليه الصلاة والسلام: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلباً اشتد بلاؤه...)).
وقد ذم الله جل و علا من لم يصبر على الأذى من أجل الدعوة إلى الله فقال سبحانه: ]وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله فَإِذَا أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ الله [؛ ولهذا قال سبحانه: ]أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ [، وقال تعالى:  ]مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ الْـمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْـخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ [

وتبرز اهمية الصبر فى الدعوة إلى الله تعالى  في عدة أمور، منها:
أولاً:إن الابتلاء للدعاة إلى الله لابد منه،فلو سلم أحد من الأذى لسلم رسل الله عليهم الصلاة والسلام وعلى رأسهم إمامهم محمد بن عبد الله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام فقد أُوذوا فصبروا، وجاهدوا حتى نصرهم الله على أعداء الدعوة إلى الله تعالى، ولاشك أن كل داعية مخلص يصيبه الأذى، وإن سلم أحد فذلك من أندر النوادر.

1 - قبل الدعوة بتصحيح النية والإخلاص، وتجنب دواعي الرياء والسمعة، وعقد العزم على الوفاء بالواجب.
2 - أثناء الدعوة، فيلازم الصبر عن دواعي التقصير والتفريط، ويلازم الصبر على استصحاب ذكر النية، وعلى حضور القلب بين يدي الله تعالى، ولا ينساه في أمره.
3 - بعد الدعوة، وذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن يُصبِّر نفسه عن الإتيان بما يُبطل عمله، فليس الشأن الإتيان بالطاعة، وإنما الشأن في حفظها مما يبطلها.

الوجه الثاني:أن يصبر عن رؤيتها والعجب بها، والتكبر، والتعظم بها.
الوجه الثالث: أن يصبر عن نقلها من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن العبد يعمل العمل سرّاً بينه وبين الله سبحانه فيكتب في ديوان السر، فإن تحدث به نُقل إلى ديوان العلانية.

ثالثاً: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى بمثابة الرأس من الجسد، فلا دعوة لمن لا صبر لـه كما أنه لا جسد لمن لا رأس لـه، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر لـه، كما أنه لا جسد لمن لا رأس لـه ))، فإذا كان ذلك في الإيمان فالصبر في الدعوة إلى الله تعالى من باب أولى.

رابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم أركان السعادة الأربعة قال I:  ]وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [، كما قال ذلك سماحة العلامة ابن باز رحمه الله تعالى.

خامساً: الصبر من أعظم أركان الخُلق الحسن الذي يحتاجه كل مسلم عامة وكل داعية إلى الله تعالى خاصة، وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله تعال.

سادساً: الصبر في الدعوة إلى الله من أهم المهمات؛ ولهذا ذكره الله تعالى  في القرآن الكريم في نحو تسعين موضعاً كما قال الإمام أحمد

سابعاً: الصبر في الدعوة إلى الله تعالى من أعظم القربات ومن أجل الهبات ولم أعلم -على قلة علمي - أن هناك شيئاً غير الصبر يُجازى ويثاب عليه العبد بغير حساب قال الله تعالى : ]إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ [ اللهم إلا الصيام فإن الصيام من الصبر.

ثامناً: الدعوة إلى الله سبيلها طويل تحف به المتاعب والآلام؛ لأن الدعاة إلى الله يطلبون من الناس أن يتركوا أهواءهم وشهواتهم التي لا يرضاها الله تعالى ، وينقادوا لأوامر الله، ويقفوا عند حدوده، ويعملوا بشرائعه التي شرع، فيتخذ أعداء الدعوة من هذه الدعوة عدواً يحاربونه بكل سلاح، وأمام هذه القوة لا يجد الدعاة مفرّاً من الاعتصام باليقين والصبر؛ لأن الصبر سيف لا ينبو، ومطية لا تكبو، ونور لا يخبو.

تاسعاً: الصبر في مقام الدعوة إلى الله تعالى هو وصف الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعليه مدار نجاح دعوتهم إلى الله تعالى، ولاشك أن الداعية إذا فقد الصبر كان كمن يريد السفر في بحر لُجِّي بغير مركب  ]فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [؛ ولهذا أوصى به الحكماء من أتباع الأنبياء، فهذا لقمان الحكيم عندما أوصى ابنه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قرن ذلك بالصبر ]يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْـمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْـمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [، فهو عندما أمره بتكميل نفسه بطاعة الله أمره أن يكمّل غيره وأن يصبر على ما ينزل به من الشدائد والابتلاء.

عاشراً: الداعية إلى الله تعالى  لا يكون قدوة في الخير مطلقاً إلا بالصبر والثبات عليه، كما قال سبحانه في صفات عباد الرحمن:  ]... وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [، وهذه الإمامة في الدين لا تحصل قطعاً إلا بالصبر، فقد جعل الله الإمامة في الدين موروثة بالصبر واليقين  ]وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [، فإن الدين كله علم بالحق وعمل به، والعمل به لابد فيه من صبر، والداعية لابد لـه من أن يعلم الحق ويعمل به حتى يقوم بالدعوة، ولا يقوم بالدعوة إلا بالصبر على ما أصابه.

الحادي عشر: الصبر ينتصر به الداعية على عدوه - مع الأخذ بالأسباب - من الكفار والمنافقين، والمعاندين، وعلى من ظلمه من المسلمين ولصاحبه تكون العاقبة الحميدة، قال تعالى:  ]... وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ الله بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [، وقال تعالى: ]لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ، وحكى الله عن يوسف عليه الصلاة والسلام قوله وبأي شيء نال النصر والتمكين، فقال لإخوته حينما سألوه: ]أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ [, ولابد بعون الله وتوفيقه من النصر للداعية المتقي الصابر العامل بما أمره ربه،ومن ذلك الأخذ بجميع الأسباب المشروعة ]وَاصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ[].

الثاني عشر: الصبر من أهم المهمات للداعية؛ لأنه لا يكون داعية مُوَفَّقاً إلا إذا كان صابراً على دعوته وما يدعو إليه، صابراً على ما يعترض دعوته من معارضات، صابراً على ما يعترضه هو من أذى.

الثالث عشر: الصبر يشتمل على أكثر مكارم الأخلاق، فيدخل فيه الحلم؛ فإنه صبر عن دواعي الانتقام عند الغضب، والأناة: صبر عن إجابة دواعي العجلة، والعفو والصفح صبر عن إجابة دواعي الانتقام، والجود والكرم صبر عن إجابة دواعي الإمساك، والكيس: صبر عن إجابة دواعي الكسل والخمول، والعدل صبر إذا تعلق بالتسوية بين المتماثلين، وسعة الصدر صبر عن الضجر، والكتمان وحفظ السر صبر عن إظهار ما لا يحسن إظهاره، والشجاعة صبر عن إجابة دواعي الفرار، وهذا يدل على أهمية الصبر في الدعوة إلى الله تعالى، وأن الداعية لا يسعه أن يستغني عنه في جميع أحواله.

الرابع عشر:الصبر نصف الإيمان:فالإيمان نصفان:نصف صبر ونصف شكر، قال تعالى:  ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [. وقال النبي r: ((عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر فكان خيراً لـه، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً لـه...)) .

الخامس عشر:الصبر سبب حصول كل كمال،فأكمل الخلق أصبرهم؛ لأن كمال الصبر بالعزيمة والثبات، فمن لم يكن لـه عزيمة فهو ناقص، ومن كان لـه عزيمة ولكن لا ثبات لـه عليها فهو ناقص، فإذا انضم الثبات إلى العزيمة أثمر كل مقام شريف وحالٍ كامل، ولهذا يُرْوَى: ((اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد ))، وشجرة الثبات والعزيمة لا تقوم إلا على ساق الصبر.

السادس عشر: الصبر يجعل الداعية إلى الله تعالى  يضبط نفسه عن أمور لابد لـه من الابتعاد عنها، ومنها: ضبط النفس عن الاندفاع بعوامل الضجر، والجزع، والسأم، والملل، والعجلة، والرعونة، والغضب، والطيش، والخوف، والطمع، والأهواء، والشهوات، وبالصبر يتمكن الداعية أن يضع الأشياء مواضعها، ويتصرف في الأمور بعقل واتِّزان، وينفِّذ ما يريد من تصرف في الزمن المناسب بالطريقة المناسبة الحكيمة، وعلى الوجه المناسب، بخلاف عدم الصبر الذي يوقع في التسرع والعجلة، فيضع الداعية الأشياء في غير مواضعها، ويتصرف فيخطئ في تحديد الزمان، ويسيء في طريقة التنفيذ، وربما يكون صاحب حق فيكون مفسداً، ولو أنه اعتصم بالصبر لسلم من ذلك كله بإذن الله تعالى، وبهذا يتضح أن الصبر ضروري للداعية يتسلح به ويتصف به في محاور ثلاثة:

المحور الأول: الصبر على طاعة الله والدعوة إليه.

المحور الثاني: الصبر عن محارم الله.

المحور الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة.

وكل هذه المحاور الثلاثة لها ارتباط وثيق بوظيفة الدعوة إلى الله تعالى ؛ لأنها تجعل الداعية قدوة حسنة لغيره من الناس.

السابع عشر: الصبر ذو مقام كريم وخلق عظيم؛ ولهذا قرنه الله بالقيم العليا في الإسلام، ومن هذه القيم التي قرنه بها ما يأتي:

1-  قرنه باليقين  ]وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَـمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [).
2-  ربطه الله تعالى بالشكر في أربع سور ]إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [().

3-  جمعه مع التوكل ]الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [.

4-  قرنه بالصلاة ]وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ[].

5-  قرنه بالتسبيح والاستغفار ]وَاصْبِرْ لِـحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ [.

6-  جمعه مع الجهاد  ]ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ .

7-  ربطه بالتقوى ]وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ[.


8-  ربطه بالحق ]وَتَوَاصَوْا بِالْـحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [.

9-   قرنه بالرحمة: ]وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْـمَرْحَمَةِ [.

الثامن عشر: رتَّب الله تعالى خيرات الدنيا والآخرة على الصبر ومن ذلك:

1- معيَّة الله مع الصابرين  ]إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ [].

2- محبَّة الله للصابرين  ]وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [

3- صلوات الله ورحمته على الصابرين ]... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ [.

4- ضمان النصر والمدد للصابرين  ]بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْـمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْـحَكِيمِ [.

5- الحفظ من كيد الأعداء ]إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [).

6- استحقاق دخول الجنة ]أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا [

وهذه الفضائل قليل من كثير، ولله دَرُّ القائل:


الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته











لكن عواقبه أحلى من العسل) 


اه الصبر و مجالاته سعيد القحطانى 








 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Grants For Single Moms | تعريب وتطوير : باســـم .